سر زيت الزيتون البكر الممتاز: وقود العقل وصحة الدماغ

سر زيت الزيتون البكر الممتاز: وقود العقل وصحة الدماغ

يُعد زيت الزيتون من أقدم الأطعمة وأكثرها قيمة، فهو ليس مجرد مكون أساسي في المطبخ، بل هو كنز صحي يزخر بالفوائد لجسم الإنسان. ولكن هل جميع أنواع زيت الزيتون تقدم نفس المزايا؟ تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الجودة تلعب دورًا حاسمًا، وأن اختيار النوع المناسب قد يُحدث فرقًا كبيرًا، خاصةً عندما يتعلق الأمر بصحة الدماغ وقدراتنا الذهنية.

في هذا الإطار، يُبرز الخبراء أهمية “زيت الزيتون البكر الممتاز” كمحفز للقدرات العقلية، وداعم قوي لوظائف الدماغ، خصوصًا لدى كبار السن. هذه الفوائد تتجاوز مجرد التغذية، لتصل إلى عمق العلاقة بين الأمعاء والدماغ، عبر تأثيره الإيجابي على ميكروبات الأمعاء الصديقة.

زيت الزيتون البكر الممتاز: حماية للدماغ عبر الأمعاء

كشفت دراسة إيطالية جديدة أن فوائد زيت الزيتون البكر الممتاز (Extra Virgin Olive Oil) لا تقتصر على الجسم، بل تمتد لحماية الدماغ عبر تأثيره الفريد على البكتيريا النافعة في الأمعاء. هذه الدراسة، التي تُعد الأولى من نوعها على البشر والتي تُحلل العلاقة بين استهلاك زيت الزيتون، ميكروبات الأمعاء، والوظيفة الإدراكية، تُؤكد أن جودة الزيت تُلعب دورًا محوريًا.

لاحظ الباحثون الإيطاليون أن الأشخاص الذين تناولوا زيت الزيتون البكر الممتاز بانتظام، أظهروا أداءً عقليًا ومعرفيًا أفضل. كما تميزت أمعاؤهم بتنوع أوسع في مستعمرات البكتيريا الصديقة، مقارنةً بمن استخدموا زيت الزيتون المكرر. بل وحددت الدراسة أنواعًا معينة من الميكروبات المعوية الصديقة التي ترتبط ارتباطًا مباشرًا بهذه الفوائد الذهنية والإدراكية.

وفي بيان صحفي صادر عن جامعة روفيرا إي فيرجيلي بإيطاليا بتاريخ 18 أبريل 2026، أكدت الباحثة الرئيسية جياكي ني، من قسم الكيمياء الحيوية والتكنولوجيا الحيوية، أن “ليست جميع أنواع زيت الزيتون مفيدة بنفس القدر للوظائف الإدراكية”. وأشارت إلى أن هذا البحث يفتح آفاقًا جديدة لفهم كيفية تأثير الغذاء على صحة الدماغ.

نُشرت هذه الدراسة الهامة تزامنًا في مجلة ميكروبيوم (Microbiome)، وعالجت العلاقة الثلاثية بين زيت الزيتون البكر الممتاز، بكتيريا الأمعاء (Gut Bacteria)، وصحة الدماغ. وقد جاءت تحت عنوان “إجمالي وأنواع مختلفة من استهلاك زيت الزيتون، والميكروبات المعوية، والتغيرات في الوظيفة الإدراكية لدى كبار السن”.

نتائج الدراسة وتأثيرها على الوظائف الذهنية

تتبع فريق البحث الإيطالي، على مدار عامين، الأنظمة الغذائية لـ 656 بالغًا تتراوح أعمارهم بين 55 و75 عامًا. هؤلاء المشاركون كانوا يُعانون من زيادة الوزن أو السمنة، ولديهم عوامل خطر مرتبطة بمتلازمة الأيض (Metabolic Syndrome)، وهي حالة صحية تُشمل مقاومة الإنسولين، ارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الكوليسترول، وتزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري من النوع الثاني.

وخلال فترة المتابعة، سجل الباحثون تغيرات ملحوظة في مهارات التفكير لدى المشاركين. أظهر الذين داوموا على تناول زيت الزيتون البكر الممتاز تحسنًا واضحًا في وظائفهم الذهنية الإدراكية، إلى جانب تنوع أكبر في أنواع البكتيريا الصديقة في الأمعاء. هذا التحسن يُعتبر مؤشرًا سريريًا على ارتفاع مستوى صحة التمثيل الغذائي وصحة البيئة الداخلية للأمعاء.

ربط الباحثون هذه الفوائد بمجموعة معينة من بكتيريا الأمعاء تُعرف باسم أدلركرتزيا (Adlercreutzia). يبدو أن وجود هذه البكتيريا يُؤكد العلاقة الإيجابية بين استخدام زيت الزيتون البكر الممتاز والوظائف الإدراكية. بعبارة أخرى، قد يعود جزء كبير من فوائد هذا الزيت للدماغ إلى كيفية تأثيره على تكوين بكتيريا الأمعاء الصحية.

جودة زيت الزيتون: الأهمية والإنتاج

لطالما كان زيت الزيتون البكر الممتاز حجر الزاوية في نظام غذائي البحر الأبيض المتوسط، والمعروف بدوره في تعزيز صحة القلب والتمثيل الغذائي. تُشير هذه النتائج الحديثة إلى أن اختيار زيت زيتون عالي الجودة قد يُصبح وسيلة بسيطة وفعالة لدعم صحة الدماغ مع التقدم في السن، ما يجعل الاهتمام بالجودة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ولكن لماذا يُعتبر زيت الزيتون البكر الممتاز أفضل من المكرر؟ يعود الفضل في ذلك لطريقة إنتاج الزيت:

  • زيت الزيتون البكر الممتاز: يُنتج بطرق ميكانيكية بحتة، مما يُساعد على الحفاظ على مركباته المفيدة، مثل مضادات الأكسدة والبوليفينولات والفيتامينات.
  • زيت الزيتون المكرر: يُعالج لإزالة الشوائب وتحسين مدة صلاحيته وطعمه، لكن هذه المعالجة تُقلل بشكل كبير من مستويات المركبات الصحية القيمة فيه.

علق الدكتور جوردي سالاس-سالفادو، أستاذ التغذية والباحث المشارك في الدراسة بجامعة روفيرا إي فيرجيلي، قائلاً: “يُؤكد هذا البحث أن جودة الدهون التي نستهلكها لا تقل أهمية عن كميتها”. وأضاف: “زيت الزيتون البكر الممتاز لا يحمي القلب فحسب، بل يُمكنه أيضًا المساعدة في الحفاظ على صحة الدماغ مع التقدم في السن”. وهذا يُمهد الطريق لاستراتيجيات وقائية جديدة قائمة على التغذية للحفاظ على الوظائف الإدراكية، ببساطة عن طريق تغيير غذائي بسيط لكبار السن.

زيت الزيتون البكر الممتاز والصحة النفسية

في سياق متصل، راجعت دراسة كندية نشرت في المجلة البريطانية للتغذية (Br J Nutr) بتاريخ 19 ديسمبر 2025، العلاقة بين استهلاك زيت الزيتون والقدرات النفسية، تحت عنوان “دور زيت الزيتون ومكوناته في الصحة النفسية: مراجعة شاملة”.

خلص الباحثون إلى أن نظام غذائي البحر الأبيض المتوسط، والغني بزيت الزيتون، له تأثير إيجابي على الصحة النفسية. تشير مراجعة الأبحاث إلى أن جميع الدراسات التجريبية على البشر، وتسع من أصل عشر دراسات حيوانية، قد أشارت إلى تحسن في أعراض القلق أو الاكتئاب بفضل تناول زيت الزيتون.

تُشير النتائج إلى أن تناول زيت الزيتون البكر الممتاز يزيد من احتمالات تحسين الصحة النفسية عن طريق تقليل الالتهاب والإجهاد التأكسدي في الدماغ. وقد ربطت الدراسات السريرية بين استهلاكه اليومي وانخفاض مستوى الاكتئاب والقلق، بفضل غناه بـ:

  • مضادات الأكسدة البوليفينولية (مثل الأوليوكانثال).
  • الدهون الأحادية غير المشبعة.

هذه المكونات تدعم مرونة الدماغ وتحسن الوظائف الإدراكية، وقد تُساعد في إدارة اضطرابات المزاج. تُشير الأبحاث إلى أن الفوائد تزداد مع زيادة الاستهلاك، مع تحسن ملحوظ عند تناول ما بين 10 إلى 53 جرامًا يوميًا (ما يُعادل ملعقتين صغيرتين إلى 4 ملاعق كبيرة تقريبًا).

الفوائد الرئيسية لزيت الزيتون البكر الممتاز على الصحة النفسية:

  • انخفاض الاكتئاب والقلق: تُشير الدراسات إلى أن تناول زيت الزيتون البكر الممتاز يُمكن أن يُخفف من أعراض القلق والاكتئاب. أظهرت دراسة استمرت 12 أسبوعًا أن اتباع نظام غذائي متوسطي غني بزيت الزيتون أدى إلى تحسن حالة 30 بالمائة من المشاركين الذين يُعانون من اكتئاب متوسط إلى حاد.
  • تقليل الالتهاب العصبي: تُقلل البوليفينولات، وخاصة الأوليوكانثال، الموجودة في زيت الزيتون البكر الممتاز، من الالتهاب الذي تنتجه خلايا الدبق الصغير في الدماغ، والذي يرتبط بالاكتئاب والأمراض التنكسية العصبية.
  • تحسين الوظائف الإدراكية وتقليل خطر الإصابة بالخرف: تُشير الدراسات إلى أن استهلاك زيت الزيتون يقلل من خطر الإصابة بالخرف بنسبة 28 بالمائة، ويرتبط بتحسين الذاكرة والأداء الإدراكي، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من ضعف إدراكي طفيف.
  • حماية خلايا الدماغ: يحتوي زيت الزيتون البكر الممتاز على مكونات تعمل كمضادات للأكسدة، ما يُساعد على حماية خلايا الدماغ من الإجهاد التأكسدي والحفاظ على سلامة بنيتها.
  • تحسين النوم والمزاج: قد تُحسن مركبات محددة، مثل الأوليميد، جودة النوم وتُثبت المزاج من خلال التأثير على مستويات السيروتونين.

أنواع زيت الزيتون: دليل الجودة والاستخدام

تختلف أنواع زيت الزيتون بشكل كبير في جودتها وطريقة إنتاجها، وبالتالي في استخداماتها وفوائدها. إليك تصنيف لأبرز أنواع زيت الزيتون:

  • زيت الزيتون البكر الممتاز (Extra Virgin Olive Oil): زيت غير مكرر، معصور على البارد، يمتاز بجودته العالية وخلوه من العيوب، ونسبة حموضته أقل من 0.8 بالمائة. يتميز بنكهة قوية (عشبية، فاكهية، أو حارة)، وهو الأنسب للتغميس والسلطات.
  • زيت الزيتون البكر (Virgin Olive Oil): جودته جيدة ولكنه أقل بقليل من البكر الممتاز، بنسبة حموضة تصل إلى 2.0 بالمائة. يُنتج بدون حرارة أو مذيبات كيميائية، ومناسب للطهي اليومي على نار هادئة.
  • زيت الزيتون النقي (Pure Olive Oil): مزيج من زيت الزيتون المكرر (لإزالة الشوائب) وكمية قليلة من زيت الزيتون البكر لإضافة النكهة. يتميز بمذاق محايد وتكلفة منخفضة، وهو مثالي للتحميص والقلي السريع والخبز.
  • زيت الزيتون الخفيف/المتوسط (Light/Mild Olive Oil): زيت زيتون عالي التكرير ذو نكهة ولون خفيفين، يُستخدم غالبًا في الخبز أو القلي نظرًا لارتفاع درجة احتراقه.
  • زيت ثفل الزيتون (Olive-Pomace Oil): يُستخرج باستخدام الحرارة أو المذيبات من بقايا العصر الأولي. يُعد الأقل جودة، وغالبًا ما يُكرر ويُخلط مع زيت الزيتون البكر، وهو الأنسب للقلي العميق أو الاستخدامات الصناعية.

تجدر الإشارة إلى أن درجة احتراق زيت الزيتون البكر الممتاز تبلغ حوالي 180 درجة مئوية، بينما يمكن استخدام الزيوت المكررة والمعصورة على غير البارد في الطهو بدرجات حرارة أعلى تصل إلى 230 درجة مئوية، مثل القلي. يُشير مصطلح “معصور على البارد” إلى عدم استخدام الحرارة أو المواد الكيميائية، مما يحافظ على النكهة والفوائد الصحية. وللحفاظ على زيت الزيتون، يُنصح بحفظه في عبوات زجاجية أو معدنية داكنة اللون بعيدًا عن الضوء والحرارة لمنع تلفه بفعل الأكسدة الذي يتسبب بتزنخ الزيت.

صحفي متمرس يتمتع بشغف الكلمة وصناعة المحتوى الإخباري. يعمل فريق التحرير على صياغة تقارير وأخبار تتسم بالدقة والمصداقية في مختلف الأقسام التحريرية، مع الالتزام الصارم بأعلى معايير العمل الصحفي والمهني.